الأحد، أبريل 05، 2009

مشاهدات من نافذتي

جالسا وراء الزجاج العسلي في الدور الأرضي ... اشاهد العابرين و احتسي اكواب القهوة ... طعم الحبيبات المطهوة جيدا علي نار هادئة يتسلل الي روحي من مسام فمي ... من حول لساني تتحرك الحبيبات تاركة مفعولها ... يشبه كثيرا تأثير الانتعاش الناتج من الخمر و لكن له ميزة لا تتوفر في المشروب الأخر ... انت منتعش و في نفس الوقت متيقظ
يقف من الناحية الأخري خلف الزجاج كثير من البشر ... بغير ادراك منهم أن هناك من يراقبهم من خلف الزجاج .. في الشارع الهاديء الخالي تقريبا من العابرين في تلك الساعة المسائية يقف ولد و بنت بزيهم المدرسي ... ينظرون من حولهم ... وضع يده علي جبهتها ... و حرك خصلة من شعرها لأعلي و اقترب قليلا من وجهها .. فابتسمت له ... ابتسامة تفتح الابواب لأكثر من مجرد تحريك خصلة شعرها لأعلي ... تهدم اسوار قلعتها بنفسها ليغزو شفتيها بقبلة طويلة ... اشاهدها من خلف الزجاج العسلي و شرائح الستائر الالمونيوم التي تخفيني جيدا و تعطيهم الحرية في لحظة من اشد و اجمل لحظات التواصل الانساني
وقفت هي بعدها لتعدل من شكل شعرها الاسود في الزجاج و كأنه مرآة ... أري وجهها الرائق المنتشي و الذي روي بالعشق منذ قليل ... تعدل ملابسها ... تسحب بلوزتها لأسفل قليلا ... و تقف كأنها عارضة ازياء سيتم تصويرها الأن ... تتحرك يمينا و يسارا بخصرها و تنظر له و للمرآة في نفس الوقت ... تتأكد من أن شكلها جميل في عينيه بهذه الطريقة ... هو ايضا يراقبها متبسما... حرك شفتيه و اثار البسمة لم تختفي بعد ... رافعا حاجبيه قليلا فاردا يده للأمام قائلا ... يالا ... مالت برأسها قليلا و اومأت موافقة مادة يدها لكي يمسكها ... و ذهبا

***

أتت عصفورة صغيرة ... وقفت امام الزجاج بدون أن تراني هي الأخري ... و زقزقت زقزقة طويلة ... انهكت انفاسها من اثر تلك الزقزقة الجميلة الطويلة ... و لما لم تسمع زقزقة أي عصافير أخري من حولها ... طارت بعد أن تلاعبت بمنقارها الفضي في ريشاتها المرسومة بعناية ... رسم الهي بديع

***

دقائق مرت و لم يمر أحد ... لا زلت اضع طاقية الاخفاء علي رأسي ... اعجبتني اللعبة أكثر عندما رأيتهم أتين من بعيد ... ثلاث شباب ... ينظرون من حولهم متلفتين في خوف ... وقف اكثرهم خبرة كما يبدو علي وجهه من طمأنينة و أخرج من جيبه اوراق البفرة ... و فتحها فوق ورقة من الكارتون قطعها من كشكول كبير ... اخرج الأخر مكعب الحشيش البني من جيب سترته و اعطاه للبروفيسير ... فوضعه في فمه ضاغطا باسنانه فوقها و اخرجها سريعا محركا رأسه لهم مضيقا من نظرة عينيه و حركة شفتيه تقول
مش قلت لكم !؟
قام بعمله سريعا و اشعل سيجارته ... ثم اعطاها للثاني الذي اعطاه المكعب ... فشرب منها متلذذا ... و مررها للثالث الذي ابتعد عنهم .. فابتعد اكثر ... يبدو أنه لم يدخن الحشيشة من قبل ... تحرك سريعا اكثرهم خبرة الذي كان يتصرف و يتحرك كأنه بروفيسير يلقي محاضرته عن الفيزياء النووية ... واضعا ذراعه كاملا علي ظهر الخائف محاولا اقناعه بأن لا يخاف من تدخينها
حرك الجزء العلوي من جسده يمينا قليلا ليوقع يد البروفيسير من فوقه ... ثم اشاح بيده رافضا و تركهم و مضي ... انهوا هم سيجارتهم ... و هم يتندرون علي ما فعله ... ثم نظر البروفيسير في الزجاج قليلا ... كان احمرار عيناه كلون حبات الطماطم الطازجة ... اخرج من جيبه قطرة البريزولين و قطر في عينيه ... و رفض أن يعطي للأخر القطرة لكي يضعها بنفسه لنفسه ... قطر هو بنفسه لزميله ... و نظرا مرة اخري الي الزجاج ... كانت عيونهم بيضاء تحتوي علي نظرة فارغة تماما من أي شيء ... و شبح ابتسامة في وجوههم يطل من خلف الزجاج
ثم مضيا
***
لا زلت اجلس وراء الزجاج العسلي و رائحة البن حديث التحميص و الطحن تعبق المكان ... في منتصف الطاولة حوض الاسماك ... بالوانهم الكثيرة يمرون في مسارات كحبات الزثبق فوق شريحة الزجاج ... لا يتقابلون ... كلهم يمرون من نفس المسارات في اوقات مختلفة ... تلعب اصغر واحدة منهم في اعلي الحوض ... تقفز في الهواء ثم تعود الي المياه لتحتضن جسدها الصغير من كل جانب بالامان ... و كأنها تريد أن تغير عالمها الصغير المحاط بالزجاج ... عندما اعدت النظر مرة اخري الي الشارع ... وجدت اطفال كثيرة تجري وراء كرة ... يبدو انني سرحت كثيرا في ما كانت تفعله السمكه الصغيرة البرتقاليه ... لقد كانوا يلعبون مبارة كرة قدم في الشارع الهاديء ... احد السكان كان منزعج كثيرا من صوتهم ... فتح نافذته الخشبية ... و صرخ فيهم و حرك يديه يمينا و يسارا ... لم يعيره احدهم الاهتمام الا عندما خرج لهم الي الشارع متوعدا اياهم باشياء كثيرة لن يفعل ايا منها ... فمن هذا الذي يعاقب طفلا لأنه يمارس طفولته ... و لكنهم هربوا منه ... اختبأوا خلف السيارات ... واحد منهم امسك الكرة و اختبأ خلف سيارة متوقفة امام الرصيف المقابل لزجاجي العسلي ... و نظر اليه من خلف زجاج السيارة منتظرا ذهابه لكي يكمل اللعب ... و اختفي الرجل و بدأوا في اللعب مرة اخري بهدوء ... حتي ظهر الرجل مرة اخري ... و شاط الكرة بقدمة بشدة ناحية زجاجي ... فانكسر ... و عندها هرب الاطفال سريعا ... و ظل الرجل يسبهم ... و يصرخ فيهم مدعيا أنهم هم من كسروا زجاج غرفتي ... فلم أهتم كثيرا بصراخه ... و عندما التفت لأنظر لحوض الاسماك وجدت السمكة البرتقالية الصغيرة ما زالت تحاول أن تترك المياه و تطير
***
اليوم ... و انا جالس اقرأ الجريدة في المساء ... نظرت ناحية الزجاج المكسور ... فوجدت أن كل من يمر من الشارع ... يطل برأسه داخل الغرفة ... يتأمل محتوياتها القليلة ... و عندما يكتشف وجودي بداخلها و تتلاقي الأعين ... يحاول أن يبدو شارد النظرة ... و يمضي
الا هذا البهلول لم يمض كالأخرين وقف بملابسه الرثة قليلا امامي و لما لم اعره انتباه ... القي بحصوة صغير اتجاه حوض الاسماك ... فكسره و هرب و كان صوت ضحكاته مجلجلا ... و لم استطع أن اتبين أن كانت ضحكات فرح أم انتقام أم انتصار ... كانت ضحكة بهلول ... ضحكة غير محددة الانفعال

13 comments:

Blogger 77Math. said...

أحب قراءتك جدًا وأنتظر جديدك بشغف..

وصفك جميل، تنظر للأشياء من زاوية "ليست عادية"..

تحياتي لك.

4:33 م  
Blogger Bastawisi said...

يالك من شخص موهوب حقا

10:26 ص  
Blogger يا مراكبي said...

أعجبني تعبير طاقية الإخفاء

إن ما دونته هنا هي لقطات مختلفة من الحياة .. يربط بينها رابط واحد وهو كيف تكون الإنفعالات وردود الأفعال عندما تكون غير مراقبا من أحد وكيف يتغير ذلك كله عندما يرقبك أحد

إلا المجانين .. لا يعنيهم ذلك أبدا

11:21 م  
Anonymous toty froty said...

حقيقى الكلام حلو موت ويستحق القراءة والمتابعة .
بالتوفيق

5:04 م  
Anonymous غير معرف said...

http://tkharifplus.blogspot.com/
ارجو القاء نظره على مدونتى تخاريف مشكله واتمنى سماع رايكم
تقبلوا تحياتى وللامام دائما

3:14 ص  
Anonymous el7osiny3 said...

مجهود رائع

http://www.tay4tech.com
http://www.mezatech.com
http://www.e-comegypt.com
http://www.arabinter.net

3:17 م  
Blogger DantY ElMasrY said...

لا أدرى كيف تزعم أن دقائق مر ت ولم يمر أحد
ألم تلحظها ؟؟؟؟؟

الدقائق

الأسلوب دا مر عليا فى قصة قصيرة لنجيب محفوظ فى مجومعة خمارة القط الأسود

11:37 م  
Blogger soly88 said...

اعجبنى اهتمامك بالتفاصيل الدقيقه
واقترابك لمشاعر البشر
الصور جميله خاصة العصفور الوحيد

2:39 ص  
Blogger Gid-Do - جدو said...

كل سنة وانت طيب ياهانى

12:05 ص  
Blogger Cognition Sense said...

فكرة القصة حلوة جداً يا هاني
دائما ما تغريني تلك القصص "الرومانسية" في طبيعتها.

استخدمت مجموعة جميلة و متنوعة من الناس و (المخلوقات الأخرى). و هذا التنوع خلاني أبتسم من قلبي. تفاصيلك جميلة يا هاني.

2:54 ص  
Blogger قوس قزح said...

اسلوبك فى الكتابة له طعم مختلف
طعم محبب للنفس
بزورك كل فين و فين
وكل مرة اسلوبك يخلينى اقرا كل اللى فاتنى

انت مبدع بجد

تحياتى

10:07 م  
Anonymous mohamed said...

مبدع فى طريقه وصفك
مشكور يا غالى
Fkrny

4:18 م  
Blogger malika said...

مرقبة البشر من حولك دون ان يلحظوا ذلك متعه غير عاديه تدخلك حيوات كثيره
وصفك رائع و ممتع

12:10 م  

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home