الاثنين، نوفمبر 09، 2009

في وسط زحام الرصيف من فوق الكوبري نظرت الي الاسفل متأملا المسافة الفاصلة بيني و بين المياه
الجسور تصل بين الاماكن ... تصل من التواصل ... جسر ... الجسارة ... الشجاعة ... التواصل درب من الجسارة لطالما اجتذبتني الجسور لعبورها و الوقوف فوقها
**
دققت النظر في وجهها عندما شاهدتها تعبر الطريق فوق كوبري قصر النيل ... تبدلت ملامحها قليلا ... امتلأ جسدها ...اصبح أكثر اثارة ... في ليلة صيفية مع اول ضوء للفجر ... و في نفس المكان منذ ثلاث سنوات كان اول تلامس حميمي بيننا
في سيارتها القديمة و في منتصف الكوبري توقفنا ... اقتربت من وجهها بحذر ... لم تمانع كثيرا ... اختلسنا من الزمن قبلة لها طعم المرات الأولي ... لم افهم كيف كانت تلك الانثي في كل مرة تجعلني اتذوق طعم المرات الاولي
**
اقتربت منها حذرا لأتأكد ان كانت هي أم لا ... كانت تحمل طفلا صغيرا ... ابتسمت لي فاقتربت اكثر ... سألتها هل هو ابنها ... أومأت بالايجاب ... سألتها عن اسمه ... قالت لي ... طارق ... لم اسألها لما اسمته علي اسمي لكي لا ابدأ في هدم جسر قديم ... حملت الصغير ... شعرت بدفء غريب بيني و بينه ... تبادلنا الايتسامات و الكلمات و ذهبت هي عندما هبط الليل علينا ... قطعت الكوبري ذهابا و ايابا عدة مرات بعد ذهابها لأتلمس الحاضر ... جسرا لم يعد له طرفان ... معلقا في الفراغ لا يصل و لا يمنع عن التواصل

الأحد، أكتوبر 04، 2009

لهاث

تهرب مني الحروف ... كلما امسكت بحرف كلمة ... يفر مني
لما سميت بالحروف ؟ من حرف الشيء !؟ ... طرفه الرفيع
لا يمكنك من امساك الشيء و لكن يستدل علي وجوده منه ... لازالت الكلمات موجودة و لها احرف ... لكنها لم تعد كافية للامساك بها ... فقط تلوح إلي الحروف من بعيد ... فالاحقها ... لتهرب ... اطفو فوق طوفان كلمات مكتوبة من قبل ... تبتلعني حروفها ... تمطرني بالشكوك ... تفتت كل شيء ... كل شيء
تفتتني لأمتزج بكل الاشياء من حولي و اتلاشي ... يصبح وجودي مرتبط بوجودهم ... و تظل الكلمات تلاعبني من بعيد و كأني مشعور يلاحقه صبية صغار ... يمطرونه بحجارتهم ... يحاول ملاحقتهم عبثا عله يستطيع امساك احدهم .. ليشبعه ركلا و سبا ... كلما حاول اللحاق بهم زاد جنونهم و مجونهم ... فروا

**

يأس المشعور من محاولاته المحمومة لإمساك الكلمات ليقتلها ... و استسلم في هدوء غريب لضرباتها القاتلة

**

و ما قيمة الحياة بدون الحروف ... اللغة ... يخبرونني أنني اتممت عامي الثالث دون أن انطق أي حرف مفهوم و لما نطقت .. خرجت الكلمات في جمل كاملة ... فبهتوا
هل اولد من جديد في هذا العالم بعد أن اتممت عامي الالف و مئة !؟ و كيف يولد الرجل مرتين !؟ و كيف افقد النطق بعد كل هذه الاعوام ... بعد كل هذه الوريقات التي اطلعت عليها !؟

**

ذهبت لأتلمس محل الميلاد مرة اخري ... ربما اجد هناك ما يثبت وجودي فأبدأ من جديد درب البحث عن الكلمات ... امام المستشفي القبطي وقفت اتأمل المبني ... في أي غرف المبني العتيق خرجت من الامان المطلق الي هذا العالم الغريب !؟
قطع تأملاتي طفل صغير ... رش علي يدي رشتين ... و قال لي ريحة ... ريحة ... ممسكا بيده زجاجة عطر كبيرة محاولا تعطير الجو و المارة في الشوارع
اشفقت عليه كثيرا ... فهو يحاول تعطير الكون بزجاجة صغيرة ... ستنفذ حتما ... محاولات يائسة اخري لمخلوق بريء عاجز يقاتل عدو خفي ... قد يكون غير موجود الا في خياله هو فقط ... مشروع مشعور صغير في الطريق الي هذا الوهم المسمي مجازا بال ... و ها هي الحروف تهرب مجددا ... كلما امسك بحرف كلمة .. تفر مني الكلمات و الافكار
و أفر انا منهم و مني ... الوذ بالصمت و السكون ... اكف عن اللهاث ... لتمحي حروف اسمي بلا ضجيج


الاثنين، سبتمبر 07، 2009

وجوه

فوق كوبري غمرة ... لم أتبين ملامحه في الظلام و هو يطلب مني أن اشعل له سيجارته
اشعلتها له فانارت الشعلة الصغيرة وجهه فعرفته .. تذكرت ملامحه جيدا
قال لي شكرا
لم اجبه
لو كان يعلم انني كنت حبيب زوجته السابق لم يكن ليشكرني ابدا علي أي شيء
بالاخص لو عرف انها عادت تراسلني مرة أخري منذ سنة مضت ... و راسلتها لفترة حتي تيقنت انها لم تنس أي شيء كان بيننا ... قتلني الفضول وقتها ... و لكن احيتني الفضيلة و قتلت الفضول ... ارسلت لها رسالة تليفونية قصيرة ... لم يعد يجدي أن اصغي الي مشاكلك ... فزوجك هو الأولي بذلك الأن

***
أنهيت أخر انفاس السيجارة ... دخلت الي المترو ... اخرجت جنيها معدنيا للحبيس وراء الزجاج .. أن تقطع تذكرة و تأخذ مقابلها عملة ... دون النظر الي وجوه البشر
ما فائدة النظر الي الوجوه ... إن كان سيلقي بي وسط قصص كتلك التي تذكرتها منذ دقائق !؟

***

من محطة غمرة حتي محطة رمسيس ... لم أجد شيء يسليني سوي أن أعد اللمبات داخل النفق ... اللعنة علي تلك المواصلة الملعونه ... شديدة الملل .. لا شيء يمكنك أن تراه بداخل النفق سوي لون رمادي لانهائي
في زيارتي لفرنسا و في مترو الأنفاق هناك وجدت رسومات جميلة داخل النفق بالكامل ... رسمها فنانون هواة ... مبدعين ... لأنهم هواة
!! ما معني أن تكون فنان محترف
و هل الفن حرفة في الأساس !؟

***

أما هنا فلا توجد أي تسلية أخري غير أن تعد اللمبات بين كل محطة و أخري ... عدد اللمبات بين محطة روض الفرج و مسرة 62 لمبة و بين مسرة و رمسيس 57 لمبة
أه نسيت .. يمكنك أن تسلي نفسك ايضا بشيء اخر ان كانت عربة المترو مزدحمة .. أن تنظر الي وجوه الجالسين ... ستجدهم كلهم متحفزين لبدء تلك المباراة العدوانية في النظر اليك شذرا ... أخلاقيات الزحام كما اسماها صديقي المثقف مجيبا لرصدي للظاهرة العدوانية في المواصلات العامة

***

جلست علي الكراسي المعدنية في محطة رمسيس منتظرا وصول القطار ... كنت وحدي تماما .أتي رجل و زوجته ... الرجل يرتدي ملابس رديئة رخيصة الثمن كمعظم ركاب المترو ... يحمل طفلة صغيرة بريئة الملامح ... بدأت اسلي نفسي بأغماض عيناي لها ... لتفعل هي نفس الشيء .. ثم اخرجت لساني فقلدتني ... و عندما اخرجت لساني و حركته يمينا و يسارا ... لم تستطع أن تقلدني ... حاولت قليلا و تقلصت عضلات وجهها الصغير ... و لما لم تنجح ... ابتسمت ... أجبرتني علي أن اقلدها هذه المرة
اختفت الابتسامة من وجهي عندما اشارت لوالدها تجاهي
قالت له ... عمو
أنا عمو !!!؟

***

بالأمس عندما قالت هي لي بداخلك طفل عنيد ... لم استطع أن اعارض كلماتها ... قلت لها الحقيقة ... انا لا احب أن اشعر بأنني كبير السن ... أنا باموت خوف من الاحساس ده
فأجابتني ... لكنك لديك شعيرات بيضاء قليلة في جانبي رأسك
قلت لها .. ده اسمه وقار ... وقاااار
قالت لي يعني ايه وقااار؟
اجبتها وقار ده نوع من السمك
ضحكت هي ... لم أضحك ... لم تضحكني النكتة التي اطلقتها ... أزعجت الطفل النائم بداخلي
***
وصلت الي المنزل .. وجدتها نائمة ... لا اعرف كيف لم اطردها من المنزل قبل أن اتركه بالأمس ... رأيت في وجهها شبح الخوف من الأرصفة التي أتت منها ... لم استطع أن اوقظها ... فقط وضعت رأسي بجانب رأسها مسافة كافية لتشتعل الأحلام اثناء النوم بيننا فتستيقظ مفزوعة ... و تذهب لتدور و تدور ...تمتزج بالشوارع الرحيمة و الأرصفة الهادئة ... هربا من وجوه بلا ملامح تأتيني نائما علي هذا الجمر المسمي بفراش

الخميس، سبتمبر 03، 2009

رؤية

عندما سألت غاندي لماذا كنت تتسامح مع الجميع ... اجابني برد اربكني ... قال لي ... قضيت طوال عمري ابحث عن سؤال لكل اجابة و ليس العكس ... فلماذا تطلب مني اجابات ... و ما الاجابات الا اسئلة مقنعة لا يستطيع ان يجيب عليها او يفهمها الا الاغبياء
يا صغيري ... الامور المطلقة غير موجودة بمفردها فلكي تصل الي المطلق يجب أن تمر بالنسبي .
تفهم هو البله الذي كسي وجهي عندما القي بتلك الحقيقة امامي ... و استكمل حديثه ... ما بين الابيض و الاسود درجات من الالوان كثيرة ... يا صغيري لكي تصل الي الأبيض يجب أن تمر بكل الالوان الاساسية ... و تمزج بينهم بتوازن ... تتفهم ما معني كل لون ... عندها فقط ستصل أن تتفهم الأبيض ... الأبيض المطلق ... هو مزيج بين كل الحقائق و الالوان الاساسية النسبية .
يا صغيري ... يجب ان تكون قادرا علي أن تحول كل اجابة لسؤال جديد ... و ليس العكس .
و عندها ظهر امامي هتلر ... و قال لي ... لا تسأل ابدا ... فالسؤال الذي لن تنفعك اجابته ... حتما ستؤذيك .
و ذهب كلا منهما في طريقه و ظلت عيني تتابع غاندي ... حتي تحول الي سحابة بيضاء محلقة ... و عندما نظرت خلفي الي هتلر ... وجدت حريقة كبيرة ... كبيرة للغاية .
و ما بين اجابة السؤال ... و سؤال الاجابة ... سحابة محلقة و نيران محرقة .
***
كنت اجلس في مفرق الطريق فوق الرصيف علي يميني طريق قصير ... و علي يساري طريق اطول ... نفثت دخان السيجارة و القيت بها في وسط بركة مياه تتخذ شكل متصل ... طولي في اليمين و دائري في اليسار ... كان الجو هادئا للغاية لدرجة انني سمعت صوت زهرة النيران الصغيرة في السيجارة و هي تنطفيء ... كنت اتسائل وقتها ... يا تري اي الطريقين اولي بأن اتمشي فيه !؟
عندما حسمت امري قررت الصعود الي منزلي و الجلوس في الشرفة ... و من فوق رأيت الطريقين ... جلست اتأملهم ...رأيتهم بوضوح من الاعلي ... و اخترت أن اظل في مكاني ... استمع لأغاني محمد منير ... و قليلا قليلا اتضحت الرؤية ... لا فارق بين الطريقين ... فكل الطرق تؤدي الي البحر ... او ما وراء البحر إن كنت تجيد السباحة ... و انا اخترت أن اظل في مسكني بالرغم من انني اجيد السباحة .

الاثنين، أغسطس 10، 2009

أزمنة النفاق الجماعي

منذ ما يقارب الشهرين ذهبت الي ميدان طلعت حرب لكي ابحث في المكتبات عن رواية ابراهيم عبد المجيد الجديدة في كل اسبوع يوم جمعة ... دخلت الي مكتبة الشروق و لم اجدها ... و مدبولي ايضا ... خرجت و انا اتسائل .. كيف نشر تقديم للرواية و حوار مع مؤلفها علي مساحة صفحة كاملة في جريدة الشروق و العاملين بمكتبات الشروق لا يعلمون عنها أي شيء!؟ ريبورتاج كامل اثار شهيتي للقراءة ... اديب من هذا الجيل الذي يعتبر الأن جيل الأساتذة يتحدث عن عالم الانترنت و المدونين .. شيء جدير بالاهتمام و القراءة ... او علي الاقل كان هذا رأيي وقتها .

***

اثناء عودتي من وسط البلد الي شبرا ... رأيت رواية باولا ... لإيزابيل أللندي ترجمة صالح علماني و من اصدارات مكتبة الاسرة ... في فرشة للجرائد فالتقطها علي الفور ... و وضعتها بجانب باقي الروايات التي لم اقرأها بعد ... و ظللت ابحث عن رواية ابراهيم عبد المجيد حتي وجدتها منذ اسبوعين من اصدارات الدار المصرية اللبنانية التهمتها في يومين و لم تعجبني ... و لا انصح احدا بقرائتها .
و كأن كاتبها المبدع لم يكتب من قبلها لا احد ينام في الاسكندرية أو البلدة الأخري أو عتبات البهجة !!
ثم بدأت في قراءة ايزابيل اللندي و انهيتها ... ثم اعدت قرائتها مرة اخري ... تفاصيل و عوالم ممتعة تتفتح امامي بسببها ... توقفت كثيرا عند هذه الكلمة في الرواية ... ازمنة النفاق الجماعي .

***

الحاسة الاخيرة التي تعمل عند المولود هي حاسة الشم ... و هي الحاسة الاخيرة التي تتوقف عند الموت ايضا حقيقة علمية جديدة القاها علي سمعي صديق ... كنا نجلس في مصنعه للاخشاب و كانت رائحة مياه المجاري منتشرة في الجو بشكل ملحوظ .

***

أزمنة النفاق الجماعي ... كنت و لا زلت اشعر أن النفاق له رائحة ... رائحة نتنه و قذرة ... احيانا يتحول الانسان لمنافق دون أن يدري ... لأنه يجلس في وسط مياه المجاري ... و يأكل نباتات مزروعة من مياه المجاري و يشرب منها ايضا .

***

عندما تحدثت مع مجموعة من الاصدقاء عن رواية ابراهيم عبد المجيد الأخيرة قالوا لي الا تعتبره اديبك المفضل و تتحدث عن رواياته كثيرا !؟ عبروا عن دهشتهم من انتقاده .

***

في نفس اليوم حاولت اقناع بعض المعجبين بمحمد منير ... و انا منهم بالمناسبة ... بأن له اغاني تافهه و لا تستحق أن يسمعها احد ... مثل اغنية مكرونة بالصلصلة ... و أن ليس كل ما يغنيه هو ابداع خالص و ليس في الامكان ابدع من ما كان ... و كفانا نفاقا مجانيا لكل الناس ... يجب أن نميز بين العمل الجيد و العمل الرديء و أن هذا في مصلحة المبدع نفسه !!! و لكنني قوبلت بعاصفة انتقاد شديدة لأنني تجرأت و انتقدت الكينج .

***

أزمنة النفاق الجماعي ... تعريف قصير في رواية ايزابيل أللندي ... و لكنه طويل جدا و هام في هذه الأزمنة ...
ازمنة النفاق الجماعي .

***

و بما أن الحاسة الاخيرة التي تتوقف لدي الانسان قبل أن يموت هي حاسة الشم ... فقد قررت أن اعبر عن استيائي من رائحة النفاق الجماعي ... بأن اقول لصديقي بأن ننقل كراسينا من داخل المصنع حيث تنتشر رائحة مياه المجاري الي بوابته .. حيث الهواء الجميل ... و لكن بعد فترة اكتشفت أن بجانب البوابة دورة مياة لها رائحة اخري و لهذا حديث أخر .

الاثنين، يوليو 27، 2009

ويل للعالم اذا انحرف المثقفون

كم هو أمر شاق أن تقرأ التاريخ و تعرفه ... كم هو شاق ... كم هو شاق أن تحمل كل هذا الهم في رأسك ... مشفق انا علي هؤلاء الذين يقرأون ... و مشفق اكثر علي من يعملون في مجال الصحافة

***

كانت هذه هي الفكرة التي تمر برأسي قبل أن تبعث لي عزة مغازي موضوعها القادم الذي سينشر في الاهرام المسائي يوم الاربعاء القادم 29 -7 - 2009 .... عن مكتبة الاسرة ... في التدوينة السابقة التي كتبتها تحدثت عن مرض الفساد و اعراضه المتمثلة في الرشوة و الواسطة
و ها هو موضوع جديد يتحدث عن تلك الاعراض

***

في عام 1994 بدأ خروج مشروع مكتبة الأسرة الي النور ... هادفا الي انشاء مكتبة صغيرة في كل منزل و بأسعار رمزية ... و كان شعاره القراءة للجميع ... هدف نبيل لنشر المعرفة و الوعي و الثقافة للجميع في مجتمع تبلغ فيه الامية الثقافية ما يقارب ال95 % ... أخر مرة منذ عامين دخلت الي مكتبة خاصة مشهورة سألت عن ثمن رواية تغريدة البجعة لمكاوي سعيد فقال لي 25 جنيه ... فلم اشتريها ... لم يكن معي نقود كافية في وقتها ... و اثناء عودتي وجدت لدي فرشة جرائد امام منزلي نفس الرواية من اصدارات مكتبة الاسرة بجنيهين و نصف ... فاشتريت ست نسخ ... وزعتها علي اصدقائي من محبي القراءة ... و ابقيت لنفسي واحدة كم كنت سعيد للغاية بأن اجد تلك الرواية بهذا السعر الرمزي
***
كانت باكورة هذا الاتجاه الجديد في نشر الأعمال الموسوعية الكبرى ضمن سائر إصدارات مكتبة الأسرة، هي إعادة طبع موسوعة مصر القديمة لعالم المصريات الأشهر سليم حسن في 16 جزء، يتراوح عدد صفحات كل جزء بين 600 و 800 صفحة بثمن رمزي (خمسة جنيهات لكل جزء) و هذه الموسوعة التاريخية القيمة لا غنى عنها للمتخصصين و الدارسين لتاريخ مصر القديم و علومها و فنونها و ديانتها و حياتها الثرية و تطور الجوانب المختلفة لحضارتها
***

تتحدث عزة مغازي في موضوعها الصحفي عن وجه من اوجه الفساد ... يشتري بائعي سور الازبكية كميات كبيرة من تلك الكتب فور صدورها ... بمعاونة موظفى التوزيع ومنافذ البيع التابعة للهيئة ... و يبيعونها باضعاف اضعاف ثمنها ... تتحدث عن سلسلة اجزاء كتب تباع ب48 جنيه من مكتبة الاسرة يبيعها الفاسدين ب200 جنيه !!!

***

واقع يستحق التأمل و التحليل بعد أن تم رصده ... اليس هذا وجه قبيح من اوجه الفساد !؟ الفساد الذي وصل حتي الي الوسط الثقافي ... ما كل هذا العبث ... لماذا نغلق اعيننا امام مثل هذه الظواهر الملعونة
سيأتي احدهم الأن و يقول لي و كأن الأمر لا يخصه ... اصل ده دور الحكومة ...
و هنا سأعيده لتدوينتي السابقة ... الأزمة الأن ليست في الحكومات ... و انما في الفساد ... ويل للعالم اذا انحرف المثقفون ... الويل للعالم المثقفين
***
كم هو امر شاق أن تقرأ التاريخ و تعرفه ... كم هو شاق ... كم هو شاق أن تحمل كل هذا الهم في رأسك ... مشفق انا علي هؤلاء الذين يقرأون ... و مشفق اكثر علي من يعملون في مجال الصحافة ... و اكثر اشفاقا علي كل من يمارس الفساد دون أن يشعر بأي ذنب

الأحد، يوليو 26، 2009

و لو

مش كل مرة بترفع عينيك للسما بتشوف شهاب معدي ... اكيد يا صاحبي مش لازم تشوف شهاب ... بس يكون الامر غريب لما كل مرة ترفع عينك لفوق تلاقي كيس زبالة بيترمي عليك .. بكرة تروق و تحلي تاني ... صدقني هتحلو و يروق الجو حتي و لو كان ... حتي و لو

***

كانت اهداف الانقلاب العسكري في يوليو 1952 الذي سمي في 1954 بثورة يوليو ... القضاء علي الإقطاع ... القضاء علي الاستعمار ... القضاء علي سيطرة رأس المال ... إقامة حياة ديمقراطية سليمة ... إقامة جيش وطني قوي ... إقامة عدالة اجتماعية

***

لا تعليق

***

كان اليوم هو يوم 23 يوليو 2009 عندما كنت اجلس علي شاطيء البحر الأحمر ... يوم اجازة لكل المصريين أخذت دراجتي الجديدة ووضعت فوقها السنارة و ادوات الصيد و اتجهت نحو اللسان في وسط البحر ... و جلست لأصطاد ... كان يجلس بجانبي اثنان كل واحد منهم يحكي للأخر عن أكبر سمكة اصطادها ... كل واحد منهم يقول للأخر انا اصطدت سمكة قااااااد كدة ... ثم انتقل الحديث لأشياء أخري لم يستفزني من حديثهم سوي كلمة التدين السطحي ... احدهم كان يقول للأخر ... مشكلتنا في البعد عن الدين .. التدين السطحي هو المشكلة

***

التدين السطحي ... مصطلح كثيرا ما اقرأه او اسمعه ... في وسائل الاعلام المختلفة و في الاحاديث اليوميه العادية ... مصطلح يستدعي الي الذهن اننا في حاجة الي المزيد من التدين ... الغير سطحي بالطبع ... و لكن كيف !؟ كيف يمكن لأحد أن يزيد من تدينه و هو فاقد لقيمة الدين الاكثر اهميه ... قيمة أن تحب أخيك كنفسك ... أن تراعي الله في عملك ... شيء جميل أن نصلي و لكن يصبح سييء للغاية إن تبع ذلك ... الرشوة أو الفساد فهي اشياء تفسد المجتمع و تضر بفاعلها قبل أن تضر بالأخرين ... في حقيقة الأمر ... لسنا في حاجة لزيادة مظاهر التدين لكي ننهي التدين السطحي

***

الرشوة وجه من اوجه الفساد ... عرض و ليس مرض ... المرض هو الفساد و العرض هو الرشوة ... أو الواسطة ... الخ الخ ... كلها اعراض لمرض واحد ... مرض الفساد

***

أخذت دراجتي الجديدة و عدت بعد أن أنهيت نصف كيلو من الجمبري الصغير الذي استخدمه كطعم .. التهمته الاسماك و لكنني لم انجح في اصطياد اي سمكة كبيرة ... او حتي صغيرة ... معي كتاب اقرأه للمرة الثانية ... الحركات السياسية في مصر من عام 1945 لعام 1952 لطارق البشري ... كتاب قيم للغاية و يعتبر مصدر من المصادر كما اخبرني دكتور ياسر ثابت و الذي شجعني حديثه عنه علي قراءته مرة ثانية ... في نهاية القراءة الثانية اتضح لي الأمر بشكل يبدو اكثر اكتمالا عن تلك الحقبة الزمنية التي سبقت الجمهورية في مصر ... المشكلة كانت في الفساد .. فساد الجميع ... و ظلت نفس المشكلة هي هي بعد انقلاب يوليو 1952 ... و زادت بعد تحديد اقامة اللواء محمد نجيب الرجل الوطني الحقيقي ... رحمه الله
الفساد هو المشكلة و ليس النظام الملكي او الجمهوري أو الانظمة الاقتصادية بمختلف تياراتها أو حتي التدين السطحي ... ذلك المصطلح الشائع حاليا في وسائل الاعلام

***
مش كل مرة بترفع عينيك للسما بتشوف شهاب معدي ... اكيد يا صاحبي مش لازم تشوف شهاب ... بس يكون الامر غريب لما كل مرة ترفع عينك لفوق تلاقي كيس زبالة بيترمي عليك .. بكرة تروق و تحلي تاني ... صدقني هتحلو و يروق الجو حتي و لو كان ... حتي و لو

الأربعاء، يوليو 01، 2009

شهوة الحكي

اطلق حلاق يسكن بجانبي علي نفسه لقب الدكتور بعد أن افتتح معهدا لتعليم الحلاقة ... لا يجيب علي احد الا اذا سبق النداء علي اسمه هذا اللقب ... هو في الحقيقة لم يكمل تعليمه الثانوي التجاري ... يعلق في محله شهادات كثيرة عن حصوله علي المركز الأول في مسابقات تصفيف الشعر
سمعته يقول لأحد زبائنه عن أنه يدرب الحلاقين المبتدئين علي حلاقة رؤوس الفواعليه ( عمال الفاعل ) الذين يجلسون بجانب السنترال منتظرين أن يستأجرهم مقاول الأنفار
يأتون اليه طواعية لأنه يحلق شعورهم مجانا


***
كان يضحك بشدة و هو يروي أن أحد المتدربين المبتدئين لديه قطع جزء من اذن احد الفواعليه بالمقص ... و أنه اعطاه عشرة جنيهات فهدأ غضبه و لازال يأتي اليه في المعهد ليحلق مجانا
في كل مرة امر بجانب السنترال ابحث عن الفواعلي مشوه الأذن و لا اجده
في المرة الأخيرة اشار إلي احد الفواعليه و هو يقول هو ده ... هو ده ... فأتوا إلي مهرولين متحفزين ... التفوا من حولي و تمعنوا قليلا في وجهي ... و تمعنت في وجوههم ... و اذانهم

ثم اكتشفوا ... انه مش هو ده ... فذهبوا مطرقين برؤوسهم ليجلسوا القرفصاء امام السنترال مرة اخري منتظرين من يأتي ليأخذهم لأي عمل

***
قال لي صديق
أصل انت مش عارف أنا اصلي مابحبش نفسي .. و لما لقيت واحدة تحبني استغربت !
قلت احبها اوي و هي تحبني و يبقي في حد بيحبني حتي لو كنت ما بحبنيش
مالك بتبص لي كده ؟؟ شكلك مش مصدق !
طيب ايه رأيك في مرة من المرات قالت لي انت طعم الكلام معاك شبه الكيك السخن ... قمت ما كدبتش خبر و جبت كيك سخن و اكلته علشان اعرف طعم الكلام معايا ايه !؟
تصدق لقيت طعمه في بقي مر !
اصل انا مبحبش نفسي .. و لا احب اتكلم معايا كمان .... بس حبيت الكيك السخن علشان هي بتحبه ... بس لما سابتني فضلت احب الكيك السخن ... و اكره نفسي !

***
صديق أخر قال لي انت شبه الكابينيه !
كل واحد عنده خرا في حياته بييجي يدلقه عندك ... انا عارف انك تعرف عننا كلنا مصايب ... بس امرك غريب يا أخي ... عندك سيفون ... تسمع و تسكت و لا يبان عليك حاجة !
اوعي تكون فاكر اني باشتمك لما باقول لك انك شبه الكابينيه ... بالعكس ... انت غريب عندك قدرة علي إنك تسمع مصايب الناس دايما و تشد عليها السيفون ! يا ريت كان عندي السيفون بتاعك ده

***
في المساء عندما اتصل بي صديق دراسة قديم ... اتفقنا علي أن نتقابل علي المقهي بعد ساعة ... أتي و في عينيه ذهول و لمعة شديدة ... بدأ حديثة بأنه مل من البحث عن عمل ثم بدأ يقول اشياء غريبة مثل أنه معجب باليابان لأنهم يزرعون البطيخة المكعبة ... و أنه يشاهد افلام سيكس للافيال الاسيوية المهددة بالانقراض ... كانت تكسو ملامحه جدية شديدة عندما قال لي
تعرف ... انا مليت برطمان بالسكر ... و حطيته وسط طبق ميه في المطبخ عندنا ... و قعدت اراقبه ... لقيت نملة بتلف حواليه ... ما عرفتش تخش علشان الميه ... قامت طلعت علي الحيطة ... و مشيت لحد ما وصلت للسقف فوق الطبق ... و رمت نفسها في السكر و فضلت قاعدة جواه تاكل
نظرت اليه فلم أجده يضحك ... كان يتحدث بجدية شديدة ... لم استطع تمالك نفسي من الضحك ... ضحكت بصوت عالي
لم استطع تفسير انفعالات وجهه عندما نظر الي بأسف شديد و سألني باستنكار
انت بتضحك ليه !؟
لم ارد عليه و ازداد ضحكي ... تحول لقهقهات عالية جدا
اطرق برأسه حتي انتهيت من الضحك ... ثم وقف في وضع خطابي ... انتم بهايم ... عمركم ما هتتقدموا طول ما بتفكروا كده ... ده منهج البحث العلمي اللي انا طبقته علي النملة و طبق السكر ده !!
أنا ماشي جتكم القرف كلكم
ثم ذهب

***
شعرت بعدها بذنب شديد ... لأنني لم أتبين أن صديق الدراسة القديم فقد عقله ... سألت عنه بعد ذلك فعلمت ان له سنتان لم يخرج من منزله ... يجلس امام شاشة الكمبيوتر طوال اليوم ... و عندما فكر في الخروج ... اتصل بي ليجدني اسخر من كلامه و اضحك ... فدخل الي قوقعته مرة اخري

***
عندما سألني القهوجي عن صديقي الصيدلي ... و هل سيأتي اليوم الي المقهي !؟
تفهمت انه يريد أن يطلب منه قرص فياجرا أو ترامادول لكي يقضي ليلة سعيدة مع زوجته ... تابعت هذا القهوجي منذ أتي الي القاهرة من قريته الريفية ... كان شخصا مختلفا ... كانت اضواء المدينة تبهره ... و كلما رأي فتاة تمر من امام المقهي اخرج لسانه من فمه و هو ينظر اليها ... و لما اشتري تليفون محمول جديد ظل يسأل الجميع عن مقاطع السكس ... و يحتفظ بها ... و لكنه ظل بنفس الشخصية
و لكن عندما بدأ في تعاطي هذه الاقراص الملعونه ... الترامادول ... تغير تماما ... اصبح شخص أخر ... في كل مرة يسأل صديقي الصيدلي عن اقراص المخدر اللعين يقول له انه لا يبيعه في صيدليته ... و لكنه يكرر السؤال بشكل شبه يومي و يتلقي نفس الاجابة و لا يمل من تكرار السؤال ابدا
***

كنت أجلس مع اصدقاء في إحدي القري السياحية عندما أتت تلك الفتاة العشرينية الجميلة صديقة اصدقائي و جلست بيننا ... أشعلت سيجارتها و بدأت تتابع الحديث و هي صامته ... ثم تدخلت في الحديث و قالت ... انا ما ينفعش اتجوز واحد علشان معجب بجسمي ... لازم يكون معجب بشخصيتي كمان ... اصل انا ممكن جسمي يتغير ... بس شخصيتي مش ممكن تتغير ابدا
عندها انفصلت تماما عن الحديث و رأيت في وجه النادل ذو الملامح الريفيه وجه القهوجي محب اقراص الترامادول و الفياجرا ... و تسائلت ... من قال أن الشخصية لا تتغير !؟
بل هي تتغير دائما ... لا شيء ثابت ... فكما الجسد تتغير ملامحة ... تتغير ملامح الشخصيات ايضا
***
اذا كنت قد وصلت الي هذا المقطع من التدوينة فأنت بالتأكيد تتسائل ... ما علاقة ما كتبته ببعضه ... الحقيقة أنه لا توجد أي علاقة ... إنها فقط شهوة الحكي علي الورق التي انتابتني ... و حظك العاثر الذي اوقعك في قراءة هذه المدونة ... فلا تبحث عن روابط بين المكتوب

الثلاثاء، يونيو 16، 2009

هانيء بن سعيد و الفيل الأبيض

أتي بيدبا المشعور لدبشليم الملك في اول النهار لكي يحصل علي سيجارته الكاملة اليومية ... فوجد الملك يشعر بملل شديد و فراغ اشد ... فسأله ما بك يا سيدي الملك !؟
فقال له دبشليم .. لي فتره طويله لم اخرج من قصري لأري الرعية .. و اتمشي بينهم و اشاهدهم عن قرب ... ما رأيك يا بيدبا أن نخرج سويا من الباب الخلفي للقصر و نتنزه بين الحوانيت و البيوت ... فلم يمانع بيدبا فقد كان بدأ يحب دبشليم و يشفق عليه مما هو فيه من حزن و أسي دائمين


***
ارتدي دبشليم جاكت جلدي و نضارة ريبان سوداء كبيرة ليغطي وجهه ... و فعل مثله بيدبا بعد أن امره الملك أن يرتدي نفس الملابس ... و خرج الاثنين ... رأوا رجال ينادون علي بضاعتهم ... و رجال يجلسون علي المقاهي طوال النهار يدخنون الاراجيل ... و شاب يقف منتظرا الاتوبيس في المحطة ويرتدي كمامه علي وجهه خوفا من انفلونزا النسور ... و اخرين يلعبون في انوفهم باصابعهم و يسخرون من الشاب مرتدي الكمامة الوحيد بينهم
جلسا بينهم و انصت دبشليم الي اثنين يتحدثان
فوجد احدهم يروي روايه للأخر .. و كانت عن الفيل الابيض الذي هرب من حديقة قصره ... فاختفي النور من وجهه لأنه كان يظن انه لا احد يعلم شيء عن هروب هذا الفيل و انصت لحديثهم باهتمام

***
يحكي أن دبشليم الملك كان لديه فيل ابيض جميل ... منذ صغره ربط بسلسله حديديه بين قدميه الاماميتين لكي لا يستطيع الحركة أو الهروب ... و كبر الفيل ... لكنه لم يفكر في كسر السلسله ابدا رغم قدرته علي هذا الفعل .. لأنه حاول كثيرا و فشل في صغره
و في إحدي الأيام رأي الفيل الأبيض مدربه اصابه الوهن و العجز و كان يكرر سؤال واحد لكل من يراه ... هي الساعة كام معاك ؟
و كأنه كان يعرف أن عمره اشرف علي نهايته ... و لما توفي ... اتوا له بمدرب جديد كان يضربه كثيرا و يهينه معتمدا علي أنه لن يهرب ابدا

***
و في يوم سييء الطالع رأي الفيل الابيض مدربه الاسود ... يخون صديق له مع جاريته الجميلة تحت شجرة السنديانه ... فكره المدرب و الجارية ... و السلسله الحديدية و حاول كسرها مرة اخري اخيرة عندما ضربه المدرب ليبتعد عن السنديانه ... و نجح بالفعل
ذهل مدربه من ما حدث و وقف عاريا هو و الجارية في حديقة القصر ... و رأهم الجميع ... لأن الفيل اصدر ضجه عاليه اثناء هروبه ... كان الفيل غاضبا بشدة ... و كان دبشليم الملك يشاهد ما يحدث من نافذته و لم يتنبه الي ذهوله هو الأخر الا بعد أن لسعته السيجارة في اصابعه فألقي بها من الشرفة ... و لاحظ انها المرة الاولي التي يدخن فيها السيجارة كاملة منذ سنين طويلة ... و جري ليلحق بالفيل ... و لكنه وجده مشرعا انيابه في وجهه فتواري خوفا منه خلف اشجار الكافور ... و تسلق الاشجار و ظل يتابعه بنظرة الي أن اختفي

***

قام دبشليم الملك مع بيدبا و قد زاده ما سمعه عن انتشار رواية فيله الأبيض هما علي همه ... و في طريقهم اوقفهم العسس ... و طلب رئيسهم اثبات الشخصية ... و لما لم يجد معهم ما يثبت أنهم مواطنون في مملكة دبشليم اخذهم الي الدرك و حبسهم و قال لهم لا احد يرتدي الجاكته الجلدية و النضارة الريبان الا العسس و انهم متهمون بسرقة هذه الملابس و صادرها

***
في الدرك وجدوا رجلا في وجهه عبوس شديد ... سأله دبشليم ما بك يا هذا ... لما انت متجهم هكذا !؟
فقال له مالك و مالي !؟ ... انت ايضا يعلو وجهك العبوس ... تسألني و كأنك انت السعيد
فتدخل بيدبا المشعور في الحديث ... و قال له ... إحكي لنا حكايتك ... و سيكون خلاصك من هذه الحبسة علي يدنا إن شاء الله

***

اسمي سعيد بن هانيء ... و قد كنت سعيدا بالفعل يا سيدي ... و كنت اعمل مساعد مدرب للفيل الأبيض الذي هرب ... و كان لي جاريه احبها حبا شديدا ... و في يوم هروب الفيل الابيض وجدتها تخونني مع المدرب تحت شجرة السنديانة ... فذهل عقلي و انطفأ النور في وجهي ... و لم يعد لي عملا بعد هروب الفيل ... و لم تعد لي حبيبتي ... فقد هربت مع المدرب ... فشددت الرحال و ركبت البحر مهاجرا لكي اترك الذكريات الحزينه هنا و اري ارضا جديدة ... و انتم تعلمون أن البحر لا امان له ... هبت علينا الرياح و ارتفعت الامواج فتكسر ساري المركب و تهشمت الدفة و هلك كل الركاب وسط الامواج ... فتمسكت أنا بلوح خشبي و ظللت ثلاث ايام اصارع الامواج ... حتي وصلت الي جزيرة و كنت منهكا للغاية و لما دخلتها شربت من مياه الانهار و اكلت من ثمار الاشجار ... و في اليوم السابع وجدني بعض الرجال فأخذوني الي ملكهم ... و وجدته عبدا اسودا ... فتعجبت كثيرا كيف يملك البيض عبدا عليهم !! ... و طلب مني أن احكي له حكايتي فحكم علي بالرجوع الي بلادي بعد سماعها ... و لما اتيت هنا امسكني العسس و حاكموني بتهمة انني تعيس ... و كيف لا اكون تعيسا يا سيدي بعد كل هذا الذي حدث لي

***

بعد سويعات قليلة كان دبشليم الملك وصل الي قصره بعد أن تركه العسس و أخذ معه سعيد بن هانيء و بيدبا المشعور ... و جلس ثلاثتهم يفكرون ... اين ذهب الفيل الأبيض ... و هل هناك سبيل لرجوعه إن وجدوه

الثلاثاء، يونيو 02، 2009

بيدبا المشعور

و لما انتهي دبشليم الملك من تدخين نصف السيجارة ... القي بها من شرفته ... فمر أحد الفقراء و وجدها ... نصف سيجارة مستوردة كاملة ... التقطها الفقير و جلس يدخن بإستمتاع
كان دبشليم الملك يعاني من فراغ شديد و ملل أشد ... و لما رأي هذا الصعلوك يدخن نصف سيجارته أمر حراسه بأن يأتوا به اليه

***
ما اسمك يا هذا ؟ سأل الملك ...
فأجابه و السيجارة لازالت في يده ... اسمي بيدبا المشعور
فقال له دبشليم الملك ... أنت تدخن سيجارة الملك ... و هذا يعني أنك سرقتها ... فقل لي من هم شركائك في هذا الجرم الكبير ؟ و لما يطلقون عليك المشعور ؟
أجابه بيدبا ... أنا لم اسرق شيئا فقد مررت من تحت شرفتكم ... و وجدتها ملقاه علي الأرض فالتقطها و دخنتها اما عن نعتي بالمشعور فلهذا قصة طويلة اصابني في نهايتها مس من الجنون ... إن يأذن لي الملك أحكيها
فأجابه دبشليم الملك ... إحكي لعلنا نعفو عنك

***

يا ايها الملك الطويل العمر المديد ... في زمن ولي و فات كنت مرتاح البال سعيد و كنت أمر كل يوم بالسوق ... مثلي كمثل كل الناس بحثا عن رزقي ... فأجد الخلق يتناثرون علي الأرصفة ... بعضهم يتنزه مختالا مع اجنبيات في خريف اعمارهن ... و بعضهم ينادي علي بضاعة رديئة الصنع ... و بعضهم ينتظر تحت شرفتكم أن تلقي بنصف السيجارة لكي يدخنها ... فهو أمر معلوم أنك لا تدخن السيجارة حتي نهايتها ابدا

***

و في يوم من الأيام رأيت بعض الصبية يتعاجبون امام نافذة بها حورية لم أر جمالا كجمالها

و لكنني كنت اسعي للرزق فلم أستطع أن اقف لكي اشاهد جمالها معهم ... كانت نافذتها تشع نورا ... حتي في الأيام المشمسة
عرفت ان الصبية ينتظرون أن تشير اليهم ليقفوا بالقرب من نافذتها ... و في الايام التالية عندما يأست من البحث عن رزق فكما يعلم الملك فالاسواق في ركود و كساد منذ زمان طويل ... وقفت بجانبهم حتي اشارت الينا ... و كانت تحكي عن العصافير الملونة

***

يحكي أنه في بلاد بعيدة كانت كل العصافير لونها رمادي اللون ... و أن الجميع كانوا يعلمون أنه هناك عصافير لها الوان مختلفة جميلة ... كانوا يربونها سرا في اقفاص داخل منازلهم ... و ينكر الجميع امام الجميع أن هناك عصافير لها الوان غير الرمادية ... فقد كان الحاكم في تلك البلاد يكره العصافير الملونة ... و يحب تلك العصافير الرمادية المتشابهة الألوان و الأشكال

***

كانت تلك الحورية لها حبيب في تلك البلاد البعيدة يحب العصافير الملونة ... و يربيها علي اختلاف الوانها و لا ينكر وجودها ابدا ... و كان يحكي لها دائما عن أنه حتي الحاكم لديه في قلعته الحصينة اقفاص بها عصافير ملونة و لكنه لا يسمح ابدا بأن يطلقها في الجو

***

كان يتمني دائما أن يفتح الجميع ابواب اقفاص عصافيرهم الملونه ... و يتركوها لتطير في الجو ... لكي يثبت لكل من ينكر وجودها زيف اكاذيبه و نفاقه الرخيص ... و في لحظة جنون أخذ اقفاصه و وقف في وسط السوق الكبير ... و فتح الأبواب ... و لم يعد هناك حجة امام من انكروا وجودها ... او هكذا تصور الحبيب المخبول

***

تسابق جميع الحكماء في نفي وجود تلك العصافير الملونة ... و كانت المفارقة الكبيرة عندما حطت علي رأس الحاكم عصفورة ملونة و هو يتحدث عن زيف ادعاء وجودها ... و مرة أخري تسابق الجميع في نفي وجودها و أن ما حط علي رأسه كان عصفور رمادي ... عصفور عادي ... فلا توجد هناك عصافير ملونة ابدا ... و لكن الغضب تمكن منه فأمر بقتل كل من يدعي وجود تلك العصافير

***

عندما مررت في اليوم السابع علي نافذتها لم أجدها ... و لم أجد الصبية في الناحية الأخري منتظرين ... فلم أفهم ماذا حدث ... و بدأت اسأل اصحاب الحوانيت في السوق ... الم يكن هنا نافذة بها حورية جميلة تحكي عن العصافير و الوانها ... وكانت حلاوة حديثها تفوق جمال وجهها !؟ فسخر الجميع مني ... و نعتوني بالمشعور و قالوا لي ... لم تكن هنا نافذة ابدا ... و لا توجد عصافير ملونة في أي مكان ... فكل العصافير رمادية اللون ... يا مشعور

***

ثم صمت بيدبا المشعور و اطرق برأسه و نظر الي دبشليم و سأله ... هل توجد عصافير ملونة بالفعل يا سيدي ؟ و هنا القي دبشليم بسيجارة كاملة لبيدبا المشعور ... و أشعلها له ايضا عندما وضعها في فمه ... ثم سأله ؟ ما رأيك انت ؟ هل توجد عصافير ملونة ؟
فأخذ بيدبا المشعور نفسا طويلا من السيجارة ... ثم ابتسم و قال له ... هذا كلام به شعرة من الجنون يا ايها الملك السعيد ... فلم أري قط عصافير ملونة ... كلها لها نفس اللون الرمادي ... لعلها كانت تقصد أن للرمادي درجات مختلفة ... فابتسم دبشليم الملك و قال له ... لا داعي لأن تنتظر تحت شرفتي لكي القي لك بنصف سيجارة ... تعال الي كل يوم و سأعطيك سيجارة كاملة فقد عفونا عنك يا هذا

***

و في اثناء خروجه من القصر وجد رجال يشبهون كثيرا اولئك الصبية المنتظرين امام النافذة يعملون بهمه و نشاط كانوا يمسكون بعصافير في ايديهم و يلونون ريشاتها باللون الرمادي


New Page 1

Copyright ©  Hany George     
جميع الحقوق محفوظة كافة المواد المنشورة في هذا الموقع محفوظة ومحمية بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية.
لا يجوز نسخ هذه المواد أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأي شكل دون الحصول على إذن مسبق


statistique