الثلاثاء، أبريل 19، 2011

ميثولوجيا الجنون - عبث اسطوري



أهدتني كليو بعض الاوراق لكي اكتب فيها , كليو ... الحورية التي خرجت من البحيرة المسحورة في اسطورة مسخ الكائنات اليونانية " الميتامورفوزس "

يحكي أن نارسيس و هو الشاب جميل الملامح الذي عرب اسمه لنرجس , و اتت منه صفة النرجسية لتصف من يحب نفسه الي حدود الجنون فاقدا التمييز و الفهم لما يحدث من حوله .

نظر نارسيس لسطح مياه البحيرة المسحورة فرأي وجهه للمرة الاولي , و وقع في عشق النظر لصورته الجميلة المعكوسة علي صفحة المياه

بالتزامن مع ذلك خرجت الجنيات السبع بنات الاله زيوس من نفس البحيرة , حوريات يصعب أن يراهن بشري دون أن تلتف حبائل غوايتهن من حوله , كانت كليو اصغرهن و اجملهن , رأت الصغيرة نارسيس فعشقته فور أن دققت في ملامحه , لكنه لم يلاحظها , هائما كان في عشق نفسه , نسي النرجسي انه من البشر و يحتاج للزاد و النوم , اصابه الوهن و ظل يحتضر حتي مات بعد فترة , بكت الحورية الجميلة في رثاء حبيبها المفتون بجماله , و بلل دمعها التربة المحيطة للبحيرة فنبتت زهرة النرجس بلونها الحزين , و صارت الزهرة من يومها رمزا للحب المفقود و الحزن بلونها و اسمها , هذا ما تحكيه الاسطورة اليونانية التي لطالما شعرت انني جزء من مكوناتها , لكنني لم اجد دوري ابدا فلست نارسيس و لا البحيرة و بالتأكيد لست بكليو !!

**

الي أن أتي صديقي عاشق المسرح و اخبرني عن مدرسة برتولت بريخت المسرحية , و نظريته في هدم الجدار الناري , بريخت هو مخرج و كاتب مسرحي الماني مبدع , حطم المدرسة التقليدية للمسرح طالبا من ابطال مسرحياته الا يلتزموا بالجدار الرابع الفاصل بينهم و بين المشاهد

" اذا كانت ثلاث جدران حقيقية و لا يمكن اختراقهم فلما لا نخترق الرابع الافتراضي الذي فرض علينا !؟ " هكذا اتخيل " بريخت " يفكر متحديا التقاليد المتعارف عليها سلفا , مقررا ان يجعل المشاهد جزءا من مسرحياته بهدم الجدار (الرابع – الناري) الذي التزم الممثلين بعدم خرقه لسنوات طويله !

**

الأن تفهمت لما كان ينتابني الشعور بأنني جزء من اسطورة نارسيس , فقد كنت مشاهدا قرر خرق الجدار الناري و الدخول الي مسرح الحدث , دون دعوة من بريخت او من غيره .

**

المرة الاولي التي رأيت كليو فيها كانت خلف البحيرة الزجاجية , عفوا اقصد شاشة الكمبيوتر , بدأ الحديث ببثها الشكوي من حبيبها نارسيس ... لي ... هل بدأ الحديث بهذا الحدث !؟ ربما ... و ربما هناك حدث اخر مدفون في اعمق منمنمات الذاكرة يرفض الطفو علي سطحها عمدا ... يظل الحدث الأبرز في المحادثة الأولي بيننا انها لم تنظر في عيناي , كانت عيناها متعلقتان بالنرجسي الاخرق , تراقبانه بتفحص .

احببت كليو كثيرا و توالت الاحاديث المسائية الخاطفة بيننا لتعلق بروحي غواية كلماتها بعد انتهاء الاحاديث لفترات طويلة , حتي حدث ما كان يخشاه اي مشاهد للعبث الاسطوري , الا و هو التورط في احداث الاسطورة !!

احببتها !!

**

توالت الاحاديث المسائية حتي اصبحت منتظمة , ثم استكملتها باحاديث صباحية ايضا , و بالرغم من كل ذلك الوقت المنقضي في تبادل الافكار لم تنظر الحورية في عيناي ابدا ... و في صباح بهيج , خرجت الحورية من البحيرة مرة اخري , نصفها السفلي كالاسماك , و النصف الأخر بشري , خرجت تبحث عن حب حقيقي يحولها لبشرية كاملة , عن حب يفقدها النسب الملكي ببوسايدون شقيق ابيها , تمنت اميرة البحيرة ان تحب بشري لتصبح مثله , و نظرت كليو الي عينا المشاهد الذي قرر خرق الاسطورة و الدخول في احداثها , شيء تبدل بداخلي عندما بللت مياه البحيرة المسحورة جسدي ناظرا الي العمق في عيناها , و لم الحظ بالطبع التغير الذي طرأ عليها من الاسفل , فقد تحول نصفها السفلي الي قدمين !!

**

كان الميعاد الاول لدخولي البحيرة الزجاجية او خروجها هي منها , لا فارق ابدا فقد امتزجت الازمنة و الاشياء و انمحت الحدود بين الجوامد ببدء كسر برودة الاحاديث الافتراضية

**

في مقهي هاديء امام حديقة كنيسة البازيليك في مصر الجديدة , من خلف زجاج شفاف يفصلنا عن حديقة داخلية للمقهي تفنن الجنائني في تهذيب اطراف اشجارها بمقصه الحاد الصديء , كان ايذانا ببدء تراجيديا خاصه علي هامش اسطورة يونانية قديمة متجددة تفنن كاتبها في تحويل البشر و الالهه الي مخلوقات ممسوخة

**

انتهي اللقاء يومها و قد تبدلت ملامحنا , كنا ننهي احاديث و نكمل اخري كانت دائرة بالفعل , هل قلت ننهي و نكمل !!؟

في الحقيقة لم تكن تلك علاقة تقليدية لها بدايات و نهايات , كنا ندور في دوامات كلما نجحنا في تخطي احداها وجدنا انفسنا في دوامة اعمق و اخطر , و لكنها ابهي , فللغرق بهاء لن يعرفه الا من اقترب من حدود الموت عشقا , شعور لذيذ خفي خدر عقولنا مستسلمين للحيرة و متعة الاستكشاف

**

لماذا اكتب عن كليو الأن !؟ ربما لأننا تقابنا مرة اخري بعد كل تلك السنوات !!

**

1

وما بين حُبٍّ وحُبٍّ.. أُحبُّكِ أنتِ..

وما بين واحدةٍ ودَّعَتْني..

وواحدةٍ سوف تأتي..

أُفتِّشُ عنكِ هنا.. وهناكْ..

كأنَّ الزمانَ الوحيدَ زمانُكِ أنتِ..

كأنَّ جميعَ الوعود تصبُّ بعينيكِ أنتِ..

فكيف أُفسِّرُ هذا الشعورَ الذي يعتريني

صباحَ مساءْ..

وكيف تمرّينَ بالبالِ، مثل الحمامةِ..

حينَ أكونُ بحَضْرة أحلى النساءْ؟.

2

وما بينَ وعديْنِ.. وامرأتينِ..

وبينَ قطارٍ يجيء وآخرَ يمضي..

هنالكَ خمسُ دقائقَ..

أدعوك ِ فيها لفنجان شايٍ قُبيلَ السَفَرْ..

هنالكَ خمسُ دقائقْ..

بها أطمئنُّ عليكِ قليلا..

وأشكو إليكِ همومي قليلا..



هنالكَ خمسُ دقائقْ..

بها تقلبينَ حياتي قليلا..

فماذا تسمّينَ هذا التشتُّتَ..

هذا التمزُّقَ..

هذا العذابَ الطويلا الطويلا..

وكيف تكونُ الخيانةُ حلاًّ؟

وكيف يكونُ النفاقُ جميلا؟...

3

وبين كلام الهوي في جميع اللّغاتْ

هناكَ كلامٌ يقالُ لأجلكِ أنتِ..

وشِعْرٌ.. سيربطه الدارسونَ بعصركِ أنتِ..

وما بين وقتِ النبيذ ووقتِ الكتابة.. يوجد وقتٌ

يكونُ به البحرُ ممتلئاً بالسنابلْ

وما بين نُقْطَة حِبْرٍ..

ونُقْطَة حِبْرٍ..

هنالكَ وقتٌ..

ننامُ معاً فيه، بين الفواصلْ..

4

وما بين فصل الخريف، وفصل الشتاءْ

هنالكَ فَصْلُ أُسَمِّيهِ فصلَ البكاءْ

تكون به النفسُ أقربَ من أيِّ وقتٍ مضى للسماءْ..

وفي اللحظات التي تتشابهُ فيها جميعُ النساءْ

كما تتشابهُ كلُّ الحروف على الآلة الكاتبهْ

وتصبحُ فيها ممارسةُ الجنسِ..

ضرباً سريعاً على الآلة الكاتبَهْ

وفي اللحظاتِ التي لا مواقفَ فيها..

ولا عشقَ، لا كرهَ، لا برقَ، لا رعدَ، لا شعرَ، لا نثرَ،

لا شيءَ فيها..

أُسافرْ خلفكِ، أدخلُ كلَّ المطاراتِ، أسألُ كلَّ الفنادق

عنكِ، فقد يتصادفُ أنَّكِ فيها...

5

وفي لحظاتِ القنوطِ، الهبوطِ، السقوطِ، الفراغ، الخِواءْ.

وفي لحظات انتحار الأماني، وموتِ الرجاءْ

وفي لحظات التناقضِ،

حين تصير الحبيباتُ، والحبُّ ضدّي..

وتصبحُ فيها القصائدُ ضدّي..

وتصبحُ – حتى النهودُ التي بايعتْني على العرش- ضدّي

وفي اللحظات التي أتسكَّعُ فيها على طُرُق الحزن وحدي..

أُفكِّر فيكِ لبضع ثوانٍ..

فتغدو حياتي حديقةَ وردِ..

6

وفي اللحظاتِ القليلةِ..

حين يفاجئني الشعرُ دونَ انتظارْ

وتصبحُ فيها الدقائقُ حُبْلى بألفِ انفجارْ

وتصبحُ فيها الكتابةُ فِعْلَ انتحارْ..

تطيرينَ مثل الفراشة بين الدفاتر والإصْبَعَيْنْْ

فكيف أقاتلُ خمسينَ عاماً على جبهتينْ؟

وكيفَ أبعثر لحمي على قارَّتين؟

وكيفَ أُجَاملُ غيركِ؟

كيفَ أجالسُ غيركِ؟

كيفَ أُضاجعُ غيركِ؟ كيفْ..

وأنتِ مسافرةٌ في عُرُوق اليدينْ...

7

وبين الجميلات من كل جنْسٍ ولونِ.

وبين مئات الوجوه التي أقنعتْني .. وما أقنعتْني

وما بين جرحٍ أُفتّشُ عنهُ، وجرحٍ يُفتّشُ عنِّي..

أفكّرُ في عصرك الذهبيِّ..

وعصرِ المانوليا، وعصرِ الشموع، وعصرِ البَخُورْ

وأحلم في عصرِكِ الكانَ أعظمَ كلّ العصورْ

فماذا تسمّينَ هذا الشعور؟

وكيفَ أفسِّرُ هذا الحُضُورَ الغيابَ، وهذا الغيابَ الحُضُورْ

وكيفَ أكونُ هنا.. وأكونً هناكْ؟

وكيف يريدونني أن أراهُمْ..

وليس على الأرض أنثى سواكْ

8

أُحبُّكِ.. حين أكونُ حبيبَ سواكِ..

وأشربُ نَخْبَكِ حين تصاحبني امرأةٌ للعشاءْ

ويعثر دوماً لساني..

فأهتُفُ باسمكِ حين أنادي عليها..

وأُشغِلُ نفسي خلال الطعامْ..

بدرس التشابه بين خطوط يديْكِ..

وبينَ خطوط يديها..

وأشعرُ أني أقومُ بِدَوْر المهرِجِ...

حين أُركّزُ شالَ الحرير على كتِفَيْها..

وأشعرُ أني أخونُ الحقيقةَ..

حين أقارنُ بين حنيني إليكِ، وبين حنيني إليها..

فماذا تسمّينَ هذا؟

ازدواجاً.. سقوطاً.. هروباً.. شذوذاً.. جنوناً..

وكيف أكونُ لديكِ؟

وأزعُمُ أنّي لديها..

**

( القصيدة لنزار قباني )

8 comments:

Blogger غادة الكاميليا said...

وحشتني كتاباتك جدااااااااااا

11:53 ص  
Blogger غادة الكاميليا said...

وحشتني كتاباتك جداااااااا

11:53 ص  
Blogger يا مراكبي said...

سرد الأسطورة في البداية رائع، ورغم أنها تتحدث عن النرجسية، إلا أن بقايا النص تتحدث عن شيء آخر، الحب المفقود الذي لا يكتمل، وهو ما تأكد منه عبر قصيدة نزار

بوست جميل

4:50 م  
Anonymous Berkman Center for Internet & Society said...

عزيزي المدون\عزيزتي المدونة،

لقد قمنا بدعوتكم مؤخراً للمشاركة في استبيان على الإنترنت يجريه كل من مركز بيركمان للإنترنت والمجتمع والأصوات العالمية على الإنترنت حول السلامة والأمان على الإنترنت للمدونين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على حد علمنا، نحن لم نتلق استجابتكم على الاستبيان بعد. يمكنكم المشاركة على الرابط التالي:

http://new.qualtrics.com/SE?Q_SS=a5HMZFtqO35LniA_3lL0Mo11yPXn2lu

سيبقى الاستبيان متوفراً إلى يوم 18 مايو-أيار\2011. لا تترددوا بالاتصال بنا في حال كانت لديكم أية أسئلة، ويمكنكم الاتصال بنا على عنوان البريد الإلكتروني التالي: mena-survey@cyber.law.harvard.edu

شكراً مقدماً على وقتكم.

مع كامل تقديرنا،
فريق Bloggin Common
مركز بيركمان للإنترنت والمجتمع في جامعة هارفارد

3:17 ص  
Anonymous ميمى said...

مشكووووووووووووووووووووووور

4:22 م  
Anonymous غير معرف said...

الاسطورة و القصيدة رائعة
و ربط قصتك بهما ابداع
عودة حميدة

3:28 م  
Anonymous غير معرف said...

الاسطورة و القصيدة رائعة
و ربط القصتك بهما ابداع
عودة حميدة

3:29 م  
Anonymous غير معرف said...

qfpikrbwr www.louisvuittonhandbagsdiscountsale.com hevuqkmhz [url=http://www.louisvuittonhandbagsdiscountsale.com]louis vuitton shoes[/url] wdeqmugon
gkanalbds www.newdiscountlouisvuittonhandbag.com nozsfanvb [url=http://www.newdiscountlouisvuittonhandbag.com]louis vuitton handbags on sale[/url] rmxwluifo
dviktgmwh www.newdiscountlouisvuittonhandbags.com ycqkhchbh [url=http://www.newdiscountlouisvuittonhandbags.com]louis vuitton handbags uk[/url] bnjwqnxph
uqxhvatny www.louisvuittononlineshoes.com ippzousyn [url=http://www.louisvuittononlineshoes.com]louis vuitton[/url] cywmnzlrb
xoqiwadfy www.louisvuittononsaleshoes.com flmwoglts [url=http://www.louisvuittononsaleshoes.com]louis vuitton discount[/url] bcxovdexo

2:41 م  

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home